من قصصي القصيرة

يناير 17th, 2006 كتبها عبدالعزيز الرواف نشر في , قصص قصيرة

 

              شكرٌ واجب

أتقدم بالشكر للكاتب والصحفي الكبير محمود البوسيفي ولكل أسرة مجلة المؤتمر ، وذلك لجهدهم واهتمامهم بمخطوطي الأول الذي صار معهم اصداري الأول ، وشكرا لكل الزملاء الذين سارعوا لتهنئتي ، وأتمنى للجميع التوفيق .    

      

 

  

 

    رؤوس لامعة 

     تحسست مؤخرة رأسي بأطراف أصابعي وتوقفت عند نقطة تغورت ، بحيث يمكن لبنان الإصبع التحرك فيها بحرية ، حركت أحد أصابعي  فيها لبرهة ، ومع تلك الحركة ارتسمت صورا عديدة عادت بالذاكرة إلى ساعات ظهورها بذلك المكان من جمجمتي .

كان الشوق لانقضاء شهور الدراسة يأخذ منا كل مأخذ ، وتبدأ عقولنا الصغيرة مع بداية عطلة الصيف بالتخلص من مسؤوليات وأعباء الدراسة ، وتتفرغ للهو واللعب دون سواهما ، ومنذ اليوم الأول في العطلة ، كانت الظاهرة الموسمية تطغى على الجميع جاعلةً من عملية التعرف على أي منا في غاية الصعوبة ، حيث كانت رؤوس الجميع تتجرد من الشعر بناء على حاجة في نفوس أمهاتنا والتي وافقت حاجة نفوسنا الصغيرة لكي لا يحد من سرعة انطلاقنا للعب عائق غسل الشعر وتمشيطه كل صباح .

 كانت هذه الظاهرة تمثل عيداً ومهرجانا للرؤوس اللامعة ؛ كنا نتجمع بعد إزالة الشعر، ونأخذ في تفحص تضاريس الرؤوس الملساء ، لتبيان ما طرأ عليها من تغيير بعد أخر فحص لها في الموسم  الماضي ،  كان كل فرد في المجموعة يمني النفس بالعثور على ندبة أو علامة في رؤوس الآخرين ولا بأس من أن يكون الحظ أكثر توفيقاً معه حين يجد ما يبحث عنه في مؤخرة الرؤوس ، لأن وقع النتيجة على أصحابها سيكون التواري خجلا ، حتى تكتسي رؤوسهم شعرا ليواري سوأتهم تلك .

أما من يجد له الآخرون ندبة أو علامة في مقدمة الرأس ستكون ردة الفعل تجاهه محتملةٌ بحيث لا تدعوه للتواري عن الآخرين ، معللاً وجود العلامة باستقبالها وهو مقبل لا مدبر .

يبقى الصنف الثالث والأخير، وهو من يمثل قمة الهرم في المجموعة ، وهم أولئك الذين لاندب لهم على الإطلاق ، لا من أمام ولا من خلف ، فهم على  قلتهم دائما الأكثر بحثا وحرصا في هذا  المهرجان .. قبل بداية موسم التماع الرؤوس هذه السنة انضم لمجموعتنا وافدٌ جديد ، وبما أنه أكد لنا رغبته القوية في الانضمام إلينا قبلناه بعد أن اشترطنا عليه شرطاً وحيداً ، وهو أن يكون من ضمن حليقي الرؤوس .

لا أدري لماذا صرت أمثل الطبقة الأعلى مرتبة ، ربما للسبب الجوهري ، خلو رأسي من أي أثار مزعجة ، يضاف إليه فارق السن عن البقية ، كنت شديد الحرص على أن ينفذ هذا الشرط ، في صباح اليوم التالي  تفاجأنا به يركض نحونا ، و ابتسامة عريضة تملأ وجهه، ويداه تمسحان قمة رأسه في  حركة دائرية ، بمجرد وصوله إلينا ، تحلق الجميع حوله ، وأخذت العيون تتفحص كل جزء في رأسه ، كنت أكثر الحاضرين قلقا من أن لا نجد علامة له ، لكن بمجرد تسليط عيني على مؤخرة رأسه ، تبدد ذلك القلق بسرور عظيم ، فهاهي ندبة عميقة وواسعة في مؤخرة رأسه لم نرى لها مثيلا بين كل الندب والحفر على باقي رؤوس المجموعة .

شعرت بزهوٍ بالغ ، جراء هذا الاكتشاف رافقته رغبةٌ عارمةٌ في السخرية منه ، بادئاً بوصف الكيفية التي ختمت بها تلك العلامة ، معللاً للبقية بأن هذا الوافد الجديد يمثل نوعية من الجبناء الذين لا يستطيعون مقاومة الخطر ولو بالركض من أمامه ، مما أتاح الفرصة للمعتدي ، في التفنن في رسم تلك العلامة بكل راحة ودقة .

لم أرحم توسلاته بأن أكف عن الاستهزاء به ، بل لم أعطه حتى الفرصة لكي يدافع عن نفسه ، أو يوضح سبب وجود تلك العلامة ، ومع يأسه من الأمر انقطع عن صحبتنا ، مفضلا الهروب كلما رأى أحد منا ، زاد هذا الأمر من عنادي وغروري ، وأصبحت أتحين مرات ظهوره القليلة ، لا لشيء إلا لكي أتمتع بإذلاله ببعض الكلمات اللاذعة . 

مرت عدة أيام لم أشاهدة فيها ، ويبدو إنه آثر عدم الخروج من المنزل نهائيا ، ولكنني استطعت أن أصطاد خروجه في إحدى المرات ، أمام باب منزلهم أسرعت نحوه ، شعر بوجودي ، عاد للداخل ، لمحته خلف الباب الموارب ، أسمعته وابل السخرية المعتاد ، وأعقبته بفاصل من الضحك عنيف وصاخب ، ويممت شطر البقية في مكان التجمع المعتاد ، قبل أن أصل إليهم بخطوات ، شعرت بارتطام شيء حاد وقوي بمؤخرة رأسي ،  فقدت على أثره توازني ووقعت في مكاني ، حاولت النهوض ، شعرت بشيء ساخن ولزج يندلق على عنقي ، وضعت يدي حيث مكان الألم ، عادت ملطخة بالدم ، وقفت مترنحاً ، شعرت بشخص يقف إلى جانبي ، استدرت ناحيته ، كان هو ، لمحت في عينيه ألقاً وزهواً غريبين ، تحاملت على نفسي مقررا العودة للمنزل ، بعد قطع مسافة من ذلك المكان ، سمعت صوته يأتي قويا من ورائي : أرني كيف ستقنع الآخرين بأسباب هذا الختم أيها الشجاع ؟     

    بالقلم الأحمر 

     دخلت الغرفة ، لم تعر وجوده اهتماما ، ترتدي ملابس يعرف جيدا بأنها استعارتها من إحدى صديقاتها الموسرات ، خريطة وجهها تدل على فحوى المناسبة التي كانت تحضرها .

وقفت أمام المرآة ، تحاول خلع ملابسها الزاهية، بينما هو جامد في مكانه خلف مكتبه ، الذي تتكدس فوقه كومتان من الكراسات ، واحدة أكثر ارتفاعا من الأخرى .

بدد الصمت المطبق جملة ثقيلة فقدت معناها من كثرة تكرارها المستمر :  سأتركك يوما ما إن ظللت على هذا الحال ، قالتها وأصابعها تتحرك بآلية محددة ، تفك بها خصلات شعرها المصفف بعناية ، لم أرك  يوما تدخل هذا المنزل إلا بأكداس الورق هذه ؛ ولم  أرسوى اللون الأحمر يخضب رؤوس أصابعك وبقايا الطباشير تلطخ ملابسك ، وحتى  وجهك  ،  استرق نظرة نحوها ، شاهد وجهها محدبا في المرآة ، أفزعة صوتها، لا فرق بينك ، وبين ورق هذه الكراسات ، عشر سنوات ، لم تسمعني فيها كلمة غزل كل ما سمعته منك جملا ناقصة، واصلت كلامها المغلف بضحكة ساخرة : حتى في السريرالذي يختلف فيه كلام كل الأزواج في كل أنحاء الدنيا ، تستمر أنت  في إعرابك للكلمات ، تواصل كلامها بحنق كل  الرجال يعملون ، ولكن ليس على  شاكلتك ، الصمت  يعم الغرفة ، والقلم يواصل حشرجته على وجه الورقة ،مهندسون أطباء، حتى عمال الورش يتطورون ، فقط   أنت وحدك لم تزل على حالك وستظل ، معلما ، يالها من مهنة رائعة ، قالتها بتبرم واضح .

تقترب من  المرآة ، وفي يدها منديل ورقي ، تحاول فتح فمها ، بطريقة تتوائم مع عملية المسح ، وتستمر  في الحديث الغاضب : أنت تعمل كترس في آلة لا  يناله سوى الحركة الدائبة ، ومرتب لا يفي من الحياة  إلا تفاهتها، يخمد صوتها لحظات، يعلو صوت حركة  القلم على الورق ، حتى تلاميذك الذين أثقلت  كراساتهم كاهلك ، واضمحلت قوة إبصارك في تدقيق كتاباتهم ،لا يعبأون بك،وكثيرا ما وجدت أثار  تقديرهم لك ، عبرات ملصقة على ظهر معطفك .

بدأ وجهها يظهر من وراء قناع الماكياج، بفعل المسح ، أنت رجل مهووس بمهنتك ، حتى إعلانات الشوارع لم ترحمها من تصحيحاتك ،ربما أنت الرجل الوحيد  في العالم الذي يقرأ الصحيفة ، وفي يده قلما أحمرا .

تضيف وهي منهمكة في إكمال عملية المسح : كل   صديقاتي يستغربن مواصلة عشرتي لك ، واحتمالي  لعسر الحياة معك ، ليتني سمعت كلام والدتي ، من البداية فهي طالما حذرتني من أن الحياة مع أمثالك لا  يميزها شيء ، إلا كلام منمق يضيع وسط أعباء الحياة .

تتطلع إلى نفسها في المرآة ، تبتعد قليلا ثم تقترب منها ، تتلمس بأصابعها نقاطا مختلفة من وجهها ،   الحفلة كانت مليئة بزوجات المسؤولين ، صحبة  أزواجهن ورجال الأعمال وزوجاتهم ، بسياراتهم الفارهة وملابسهم التي لم أرها في حياتي بل لم تخطر حتى على بالي .

تشعر بلا مبالاته ، تحاول إغضابه ، لقد مللت منك ومن قناعاتك المجنونة ، التي حفظتها عنك ورددتها بغباء على الذين اعرفهم ،الحياة صعبة ، الغلاء ،المشاريع تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة ، نوفر ما  نحتاج لحياة كريمة ، وصلت الآن إلى قناعة تامة بأنك رجل على حافة الجنون .

كل واحدة من صديقاتي ، تمتلك سيارة أما أنا فلم يرد ذلك حتى في أحلامي ، و الفضل في ذلك لارتباطي برجل عظيم مثلك .

تمسح أخر بقعة لون عن وجهها ، هل أستطيع أن أسافر كباقي النساء كل صيف لدولة ، صوت القلم ما يزال يئن على صفحات الورق ، لا فائدة من الحديث  معك ، ولكن تأكد بأنني سأهجرك يوما ، تذهب إلى السرير تندس تحت الغطاء ، تخرج آهة غضبى  ،  تضع الوسادة على رأسها وتدير له ظهرها .

على المكتب تتناقص إحدى الكومتين ، بينما الأخرى تزداد ارتفاعا ، في الصباح يستيقظ ، يبحث عن ما  يضع فيه رجليه ، لم  يثر فيه اختفائها من السرير في ساعة مبكرة أي ردة فعل ، يذهب إلى الحمام يطلق  وابلاً من المياه على رأسه ،  يتجه ناحية الطاولة  يتأمل  إحدى كومتي الكراسات ، ورقة موضوعة بعناية فوقها ،إنها منها ، يبدأ في القراءة ، هاهو  اليوم الذي وعدتك بأنني سأتركك فيه ، قد آن أوانه،    يتوقف ، تتغضن جبهته ، يقترب حاجباه ، يفتح عينيه ثم يغلقهما، يتناول القلم الأحمر، يشطب كلمات ، ثم يكتب كلمات جديدة بالقلم الأحمر فوقها .

     

 طبرق1-1-2001   

      

 

  البراح      

مهداة لكل باحث عن الحرية أي كانت الوسيلة 

الحبور والسرور يتجسدان في حركته الدائبة في كل زوايا القفص الصغير ، الذي أبصرالنور من خلال قضبانه ، ولم يدر بخلده ، بأن هناك براحا أرحب من تلك الاتجاهات التي كان يتحرك فيها ، يبدأ يومه بنفش ريشه ، وتصفيفه و العناية به ، زاده حبات يلتقطها من وعاء  قابع في قاع القفص ، تضعها تلك اليد التي ألف وجودها من خلال دخولها الدائم من تلك الفتحة ثم يرتشف من الحين إلى الأخر قطرات من ماء القنينة الصغيرة على جانب القفص ، ثم يقضي بقية يومه مغاز

المزيد





 

تهاويم ..براح مودة من الصحفي والقاص عبدالعزيز الرواف