حديث الألم .
كتبهاعبدالعزيز الرواف ، في 10 يناير 2009 الساعة: 09:53 ص
غزة اعذريني
اندهش كثيرٌ ممن أعرفهم وتميزوا بالصدق مع أنفسهم أولا وصارحوني بما يدور في أنفسهم حول مقال لي سابق عن الحالة الغزاوية عموما ، وحول ما كتبت بالخصوص ، وهؤلاء أحترم وجهات نظرهم واختلافهم الذي زادهم ودا ومكانة في قلبي كبشر أولا وكمبدعين ثانيا ، وهناك بالطبع ثلة أعرف بعضهم ارتأوا أن يتركوا أثرا لكي يثبتوا أنهم مروا مهما كان ذلك الأثر يحمل سوء بجهالة أو دونها .
أما الصنف الأخير ممن مروا على رأي ذاك فهم من طينة لا أحب أن أخوض في تفاصيل ثقافتها ولا أسلوب تعاملها مع الآخرين ، خصوصا الآخرين الذين لا تملك هذه الفئة قدرة على مقارعتهم الحجة والدليل والبرهان ، لذلك فهي تتقيأ سبابا وتترك أثار لوثتها العقلية تحت مسمى الكتابة والتعليق على شيء لم تستوعبه أصلا .
لازلت لا أشاهد مآسي غزة عبر التلفاز ، فمن يقدر يرى صورة طفل جميل عبثت به آلة الحرب الأمريكية وبيد الصهاينة ، سيقول لي البعض نعم نشاهد لنغضب ، أقول حيا الله هذا الغضب الذي يستعر منذ الثمانية والأربعين بعد الألف من قرنكم الماضي ، أيها الغاضبون حيا الله غضبكم البركاني الذي اكتسح الأخضر واليابس منذ دير ياسين مرورا بصبرا وشاتيلا ، وصولا إلى كل انتفاضات الصغار وحجارتهم .
لقد استمرأتم أيها العرب والمسلمين وأنا واحد منكم كل هذه المشاهد ، وبالتالي قتلت فيكم كل نخوة كانت بأوصال أجدادكم الأوائل ، وأطفأت مشاهد القتل والسحل جذوة الغضب اليعربية الأصيلة وصرتم تنفثون دخانها بيانات ومظاهرات ، تستأذنون فيها جلاديكم الحكام الذين ينتظرون تعليمات الكنيست لكي يفتحوا منفذا هنا أو مخرجا هناك ، أصبحتم مدمنين للأغاني الحماسية وتسكبون دموعا لا تحمل من المشاعر سوى ملوحة الدموع ، وستستمرون في المشاهدة وتشرحون لأبنائكم أن هؤلاء الصهاينة وهذه أفعالهم ! ولكن هل باستطاعة أحدكم أن يجهز ابنه لكي يذهب بعد وصوله لسن الرجولة لكي يفتدي بجسده غزة أو القدس ، أنني متيقن بأن الأكثرية يشاهدون ويسبون أمام أبنائهم ، ولو طلب منه أمر ذا جدوى سيفكر ألف تفكير ، وسيخاف مليون مرة أغلبها من جلاديه الأقربون ، ثم ذعرا من الصهاينة ، لأن مشاهد القتل والسحل تركت في داخله جبنا غير معلن منذ احتلال فلسطين .
هاهي الهجمة مستمرة وتتكرر ربما للمرة الألف منذ اختراع البث التلفزي عبر الأقمار ، وهانحن نتفرج كل يوم على المآسي ، وهل أشعلت هذه المشاهد أي جذوة في نفوسكم ، حتى لا أكون ظالما للجميع فالبعض ربما غاب جبن السنين وآثر الموت باتجاه الأراضي المحتلة ، لكنه عاد خائبا عند أول نقطة تفتيش حدودية عربية ..عربية أو عربية صهيونية ، إن الغضب لن يأتي بإدمان مشاهدتنا لمناظر القتل ، لأن المشاهدة من المفترض أن تؤدي لنتيجة من أول مشهد رأيناه وأعتقد أن أول مشهد رأيناه لم يكن اليوم أو أمس أو منذ شهر أو سنة وحتى سنوات ، فلو كانت هناك فائدة ترجى من المشاهدة فلقد مرت أكثر من ستين سنة ونحن نشاهد السحل والقتل والاغتصاب ولم يندى لنا جبين ، بل استعضنا عن كل فعل صائب ، بأفعال ضبط النفس ، والمحادثات ، والتطبيع ، والمصالح العليا للدول منفردة ، هنا قد يقول قائل وماذا نفعل نحن الشعوب المغلوبة على أمرها من حكامها ، إذا بما أننا اعترفنا بأننا شعوب مغلوبة على أمرها فلنعلنها صراحة بأننا لسنا أهلا للغضب والنخوة ، ولندفن رؤوسنا في مشاهدة أي شيء غير مآسي غزة ، أو لتكن عندنا إرادة ولنخرج لنطيح بكل الأصنام التي تمنعنا الغضب ، بما فيها صنم الخوف الأزلي الذي استمرأناه من كثرة مشاهدة مآسينا ، مرورا بكل صنم رسمي يمنعنا نصرة أخوتنا .
وحتى يحين موعد هذا الأمر الشبيه بالاستحالة ، فقد تحدث معجزة ليست بمستحيلة ، وهي أن توجع ضربات المقاومين الفلسطينيين (إذا تركتهم ) كراسي العروش والإمارة والزعامة العربية قبل الصهيونية يقاومون ، أما أنا سأستمر في مقاطعة مشاهد الدمار والوجوه البريئة المشوهة من أطفال وشباب ونساء ورجال غزة بفعل استمراء أخوتهم أو من كانوا إخوتهم مشاهدتهم بهذه الحال منذ ستين عاما ، ودمتم مشاهدين غاضبين لحالة غزة فلسطين وعزة المسلمين .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























