من قصصي القصيرة

كتبهاعبدالعزيز الرواف ، في 17 يناير 2006 الساعة: 17:39 م

 

              شكرٌ واجب

أتقدم بالشكر للكاتب والصحفي الكبير محمود البوسيفي ولكل أسرة مجلة المؤتمر ، وذلك لجهدهم واهتمامهم بمخطوطي الأول الذي صار معهم اصداري الأول ، وشكرا لكل الزملاء الذين سارعوا لتهنئتي ، وأتمنى للجميع التوفيق .    

      

 

  

 

    رؤوس لامعة 

     تحسست مؤخرة رأسي بأطراف أصابعي وتوقفت عند نقطة تغورت ، بحيث يمكن لبنان الإصبع التحرك فيها بحرية ، حركت أحد أصابعي  فيها لبرهة ، ومع تلك الحركة ارتسمت صورا عديدة عادت بالذاكرة إلى ساعات ظهورها بذلك المكان من جمجمتي .

كان الشوق لانقضاء شهور الدراسة يأخذ منا كل مأخذ ، وتبدأ عقولنا الصغيرة مع بداية عطلة الصيف بالتخلص من مسؤوليات وأعباء الدراسة ، وتتفرغ للهو واللعب دون سواهما ، ومنذ اليوم الأول في العطلة ، كانت الظاهرة الموسمية تطغى على الجميع جاعلةً من عملية التعرف على أي منا في غاية الصعوبة ، حيث كانت رؤوس الجميع تتجرد من الشعر بناء على حاجة في نفوس أمهاتنا والتي وافقت حاجة نفوسنا الصغيرة لكي لا يحد من سرعة انطلاقنا للعب عائق غسل الشعر وتمشيطه كل صباح .

 كانت هذه الظاهرة تمثل عيداً ومهرجانا للرؤوس اللامعة ؛ كنا نتجمع بعد إزالة الشعر، ونأخذ في تفحص تضاريس الرؤوس الملساء ، لتبيان ما طرأ عليها من تغيير بعد أخر فحص لها في الموسم  الماضي ،  كان كل فرد في المجموعة يمني النفس بالعثور على ندبة أو علامة في رؤوس الآخرين ولا بأس من أن يكون الحظ أكثر توفيقاً معه حين يجد ما يبحث عنه في مؤخرة الرؤوس ، لأن وقع النتيجة على أصحابها سيكون التواري خجلا ، حتى تكتسي رؤوسهم شعرا ليواري سوأتهم تلك .

أما من يجد له الآخرون ندبة أو علامة في مقدمة الرأس ستكون ردة الفعل تجاهه محتملةٌ بحيث لا تدعوه للتواري عن الآخرين ، معللاً وجود العلامة باستقبالها وهو مقبل لا مدبر .

يبقى الصنف الثالث والأخير، وهو من يمثل قمة الهرم في المجموعة ، وهم أولئك الذين لاندب لهم على الإطلاق ، لا من أمام ولا من خلف ، فهم على  قلتهم دائما الأكثر بحثا وحرصا في هذا  المهرجان .. قبل بداية موسم التماع الرؤوس هذه السنة انضم لمجموعتنا وافدٌ جديد ، وبما أنه أكد لنا رغبته القوية في الانضمام إلينا قبلناه بعد أن اشترطنا عليه شرطاً وحيداً ، وهو أن يكون من ضمن حليقي الرؤوس .

لا أدري لماذا صرت أمثل الطبقة الأعلى مرتبة ، ربما للسبب الجوهري ، خلو رأسي من أي أثار مزعجة ، يضاف إليه فارق السن عن البقية ، كنت شديد الحرص على أن ينفذ هذا الشرط ، في صباح اليوم التالي  تفاجأنا به يركض نحونا ، و ابتسامة عريضة تملأ وجهه، ويداه تمسحان قمة رأسه في  حركة دائرية ، بمجرد وصوله إلينا ، تحلق الجميع حوله ، وأخذت العيون تتفحص كل جزء في رأسه ، كنت أكثر الحاضرين قلقا من أن لا نجد علامة له ، لكن بمجرد تسليط عيني على مؤخرة رأسه ، تبدد ذلك القلق بسرور عظيم ، فهاهي ندبة عميقة وواسعة في مؤخرة رأسه لم نرى لها مثيلا بين كل الندب والحفر على باقي رؤوس المجموعة .

شعرت بزهوٍ بالغ ، جراء هذا الاكتشاف رافقته رغبةٌ عارمةٌ في السخرية منه ، بادئاً بوصف الكيفية التي ختمت بها تلك العلامة ، معللاً للبقية بأن هذا الوافد الجديد يمثل نوعية من الجبناء الذين لا يستطيعون مقاومة الخطر ولو بالركض من أمامه ، مما أتاح الفرصة للمعتدي ، في التفنن في رسم تلك العلامة بكل راحة ودقة .

لم أرحم توسلاته بأن أكف عن الاستهزاء به ، بل لم أعطه حتى الفرصة لكي يدافع عن نفسه ، أو يوضح سبب وجود تلك العلامة ، ومع يأسه من الأمر انقطع عن صحبتنا ، مفضلا الهروب كلما رأى أحد منا ، زاد هذا الأمر من عنادي وغروري ، وأصبحت أتحين مرات ظهوره القليلة ، لا لشيء إلا لكي أتمتع بإذلاله ببعض الكلمات اللاذعة . 

مرت عدة أيام لم أشاهدة فيها ، ويبدو إنه آثر عدم الخروج من المنزل نهائيا ، ولكنني استطعت أن أصطاد خروجه في إحدى المرات ، أمام باب منزلهم أسرعت نحوه ، شعر بوجودي ، عاد للداخل ، لمحته خلف الباب الموارب ، أسمعته وابل السخرية المعتاد ، وأعقبته بفاصل من الضحك عنيف وصاخب ، ويممت شطر البقية في مكان التجمع المعتاد ، قبل أن أصل إليهم بخطوات ، شعرت بارتطام شيء حاد وقوي بمؤخرة رأسي ،  فقدت على أثره توازني ووقعت في مكاني ، حاولت النهوض ، شعرت بشيء ساخن ولزج يندلق على عنقي ، وضعت يدي حيث مكان الألم ، عادت ملطخة بالدم ، وقفت مترنحاً ، شعرت بشخص يقف إلى جانبي ، استدرت ناحيته ، كان هو ، لمحت في عينيه ألقاً وزهواً غريبين ، تحاملت على نفسي مقررا العودة للمنزل ، بعد قطع مسافة من ذلك المكان ، سمعت صوته يأتي قويا من ورائي : أرني كيف ستقنع الآخرين بأسباب هذا الختم أيها الشجاع ؟     

    بالقلم الأحمر 

     دخلت الغرفة ، لم تعر وجوده اهتماما ، ترتدي ملابس يعرف جيدا بأنها استعارتها من إحدى صديقاتها الموسرات ، خريطة وجهها تدل على فحوى المناسبة التي كانت تحضرها .

وقفت أمام المرآة ، تحاول خلع ملابسها الزاهية، بينما هو جامد في مكانه خلف مكتبه ، الذي تتكدس فوقه كومتان من الكراسات ، واحدة أكثر ارتفاعا من الأخرى .

بدد الصمت المطبق جملة ثقيلة فقدت معناها من كثرة تكرارها المستمر :  سأتركك يوما ما إن ظللت على هذا الحال ، قالتها وأصابعها تتحرك بآلية محددة ، تفك بها خصلات شعرها المصفف بعناية ، لم أرك  يوما تدخل هذا المنزل إلا بأكداس الورق هذه ؛ ولم  أرسوى اللون الأحمر يخضب رؤوس أصابعك وبقايا الطباشير تلطخ ملابسك ، وحتى  وجهك  ،  استرق نظرة نحوها ، شاهد وجهها محدبا في المرآة ، أفزعة صوتها، لا فرق بينك ، وبين ورق هذه الكراسات ، عشر سنوات ، لم تسمعني فيها كلمة غزل كل ما سمعته منك جملا ناقصة، واصلت كلامها المغلف بضحكة ساخرة : حتى في السريرالذي يختلف فيه كلام كل الأزواج في كل أنحاء الدنيا ، تستمر أنت  في إعرابك للكلمات ، تواصل كلامها بحنق كل  الرجال يعملون ، ولكن ليس على  شاكلتك ، الصمت  يعم الغرفة ، والقلم يواصل حشرجته على وجه الورقة ،مهندسون أطباء، حتى عمال الورش يتطورون ، فقط   أنت وحدك لم تزل على حالك وستظل ، معلما ، يالها من مهنة رائعة ، قالتها بتبرم واضح .

تقترب من  المرآة ، وفي يدها منديل ورقي ، تحاول فتح فمها ، بطريقة تتوائم مع عملية المسح ، وتستمر  في الحديث الغاضب : أنت تعمل كترس في آلة لا  يناله سوى الحركة الدائبة ، ومرتب لا يفي من الحياة  إلا تفاهتها، يخمد صوتها لحظات، يعلو صوت حركة  القلم على الورق ، حتى تلاميذك الذين أثقلت  كراساتهم كاهلك ، واضمحلت قوة إبصارك في تدقيق كتاباتهم ،لا يعبأون بك،وكثيرا ما وجدت أثار  تقديرهم لك ، عبرات ملصقة على ظهر معطفك .

بدأ وجهها يظهر من وراء قناع الماكياج، بفعل المسح ، أنت رجل مهووس بمهنتك ، حتى إعلانات الشوارع لم ترحمها من تصحيحاتك ،ربما أنت الرجل الوحيد  في العالم الذي يقرأ الصحيفة ، وفي يده قلما أحمرا .

تضيف وهي منهمكة في إكمال عملية المسح : كل   صديقاتي يستغربن مواصلة عشرتي لك ، واحتمالي  لعسر الحياة معك ، ليتني سمعت كلام والدتي ، من البداية فهي طالما حذرتني من أن الحياة مع أمثالك لا  يميزها شيء ، إلا كلام منمق يضيع وسط أعباء الحياة .

تتطلع إلى نفسها في المرآة ، تبتعد قليلا ثم تقترب منها ، تتلمس بأصابعها نقاطا مختلفة من وجهها ،   الحفلة كانت مليئة بزوجات المسؤولين ، صحبة  أزواجهن ورجال الأعمال وزوجاتهم ، بسياراتهم الفارهة وملابسهم التي لم أرها في حياتي بل لم تخطر حتى على بالي .

تشعر بلا مبالاته ، تحاول إغضابه ، لقد مللت منك ومن قناعاتك المجنونة ، التي حفظتها عنك ورددتها بغباء على الذين اعرفهم ،الحياة صعبة ، الغلاء ،المشاريع تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة ، نوفر ما  نحتاج لحياة كريمة ، وصلت الآن إلى قناعة تامة بأنك رجل على حافة الجنون .

كل واحدة من صديقاتي ، تمتلك سيارة أما أنا فلم يرد ذلك حتى في أحلامي ، و الفضل في ذلك لارتباطي برجل عظيم مثلك .

تمسح أخر بقعة لون عن وجهها ، هل أستطيع أن أسافر كباقي النساء كل صيف لدولة ، صوت القلم ما يزال يئن على صفحات الورق ، لا فائدة من الحديث  معك ، ولكن تأكد بأنني سأهجرك يوما ، تذهب إلى السرير تندس تحت الغطاء ، تخرج آهة غضبى  ،  تضع الوسادة على رأسها وتدير له ظهرها .

على المكتب تتناقص إحدى الكومتين ، بينما الأخرى تزداد ارتفاعا ، في الصباح يستيقظ ، يبحث عن ما  يضع فيه رجليه ، لم  يثر فيه اختفائها من السرير في ساعة مبكرة أي ردة فعل ، يذهب إلى الحمام يطلق  وابلاً من المياه على رأسه ،  يتجه ناحية الطاولة  يتأمل  إحدى كومتي الكراسات ، ورقة موضوعة بعناية فوقها ،إنها منها ، يبدأ في القراءة ، هاهو  اليوم الذي وعدتك بأنني سأتركك فيه ، قد آن أوانه،    يتوقف ، تتغضن جبهته ، يقترب حاجباه ، يفتح عينيه ثم يغلقهما، يتناول القلم الأحمر، يشطب كلمات ، ثم يكتب كلمات جديدة بالقلم الأحمر فوقها .

     

 طبرق1-1-2001   

      

 

  البراح      

مهداة لكل باحث عن الحرية أي كانت الوسيلة 

الحبور والسرور يتجسدان في حركته الدائبة في كل زوايا القفص الصغير ، الذي أبصرالنور من خلال قضبانه ، ولم يدر بخلده ، بأن هناك براحا أرحب من تلك الاتجاهات التي كان يتحرك فيها ، يبدأ يومه بنفش ريشه ، وتصفيفه و العناية به ، زاده حبات يلتقطها من وعاء  قابع في قاع القفص ، تضعها تلك اليد التي ألف وجودها من خلال دخولها الدائم من تلك الفتحة ثم يرتشف من الحين إلى الأخر قطرات من ماء القنينة الصغيرة على جانب القفص ، ثم يقضي بقية يومه مغازلا شريكة وجودة في هذا القفص ، استمرت حياته على هذه الوتيرة ، ولم يطرأ عليها جديد سوى احتجاب رفيقته في تلك الغرفة الخشبية الصغيرة الموضوعة أعلى القفص من الخارج ، محتضنة نتاج ألفتهما بين هذه القضبان ، كان يصدر في بعض الأحيان شقشقات حالمة يعقبها بقفزات توصله إلى باب الغرفة الخشبية ، فتستجيب لها شريكته في الحال مادة رأسها الصغير ليلتقيا منقاريهما في قبلة حميمة تنتهي بلقيمات طرية ، يدفعها إليها بكل ود ، وتتقبلها بكل مودة .

في ذلك الصباح الجديد ، تسللت اليد كعادتها إلى داخل القفص ، واضعة حبات الطعام مكانها ومعرجة على قنينة الماء لتملأها ، وكعادته دائما التجأ إلى أعلى القفص ، مفسحا لتلك اليد المجال لتقوم بعملها داخل بيته الذي لا يمنع شيئا سوى خروجه منه ، خرجت اليد من المكان الذي دخلت منه ، بعد لحظات ، قفز من عليائه ليقف على القطعة الخشبية ، أمام إناء الطعام ليبدأ في التقاط حباته ، لم يكد يستقر فوقها حتى شعر بأمر غريب طرأ على وضع مسكنه ، فوعاء الطعام أصبح فوقه ، وحباته تناثرت متخللة ريشه ، مياه القنينة انتشرت رذاذاً في الأنحاء ، رفيقة دربه تخلت عن حرصها الفائق وراحت تحوم حوله في حركات مضطربة ، تاركة محتويات الغرفة تتبعثر حولهما .

قبل أن يستوعب ما حدث له ولمحيطه الصغير، سكن كل شيء حوله بعد صوت ارتطام قوي لم يعهد له مثيلاً ، هدوء غريب مزعج ساد بعد تلك اللحظات، تطلع حوله لاستيعاب اللحظة وإدراك ماحل به ، وقعت عيناه على شريكته ممدة على أرض القفص ، قفز ناحيتها ، تعجب من سكونها الغريب ، نقرعلى منقارها بحب بالغ ، زاد عجبه من عدم استجابتها له ، قطع انهماكه في تفسير حالتها أصوات متداخلة أخذت تقترب منهما ، لم تكن نبراتها مألوفة لديه ، حاول اللجوء إلى أعلى سطح القفص كعادته الدائمة ، فاجأه عدم وجود الحاجز الذي كان يمنعه من الابتعاد أكثرمن ذلك ، انطلق إلى براح أوسع من براحه الصغير، الأصوات الغريبة تطارده بإلحاح ، بدأت تحاصرة من عدة جهات ، حاول الهروب ، فجاءت محاولته خليطا بين الطيران والقفز، الأصوات تَجِدُ في طلبه ، شعور بالذعر يملأ نفسه ، حالة من خوف غريب تنتابه بسبب هذا الاتساع المخيف ، أيادٍ كثيرة تمتد نحوه ، هدفها الإمساك به ، في أخر لحظة استطاع الافلات منها ، التجأ إلى فجوة في ركن جدار ، لاحقته يد غليظة إلى داخل تلك الفجوة ، حاول مواصلة الهروب ، لم تسعفه بقية المسافة لأكثر من ذلك .

قبضت عليه تلك اليد ، تذكر اليد التي طالما وضعت له الطعام دون أن تمسه ، حاول مقارنة شعوره الآن حيالها وهذه التي تقبض عليه في  قسوة بالغة ، شعورٌ يملأ نفسه حنيناً بالغاً لضيق براح القفص ، جسده الصغير يعتصر بفعل تلك القبضة القاسية  ، انتفض محاولا مقاومة عملية الضغط ، شعر بقلبه يصعد إلى حلقه بدأت أعضاؤه تتخدر ومقاومته تضعف ، فاقدا كل إحساس بالحياة .   

           

   ارتسامات     

     تتداخل  الوجوه  ،  ترتسم  فوقها ابتسامات زائفة ، تعتمل داخل النفوس مشاعر متناقضة ، تلهج الألسن بقناعات منمقة ، يستميلك انفعالك الغريزي لتواءم معها أفعالك ، تسري في كيانك قشعريرة الائتلاف ، ها هم ينكصون ، على أعقابهم يتلمسون طريقهم ، نحو النور المتوهج منذ الأزل ، لقد أدركوا حقيقة الوهج ، الذي قطعوا ملايين السنيين حبوا إليه ، كحشرات صيف غرها توهج نور عظيم فعانقته انتحارا .

سرور بالغ ، يملأ نفسك ، ظانا أن لبنة الخير تسكن أعماق كل النفوس ، فقط المشاعرالباردة تطلق سطوتها عليها ، لتجعلها تهجد في قاعها، منتظرة حرارة نور الحقيقة ، لتحرك ماء الحياة ليندفع متدفقا في الشرايين ، معلنا بأن كل البشر تعتمل داخلهم نفوس خيرة .

تنتشي بانتصارك على كل هواجسك ، التي أرقت تفكيرك ، ماسحا كل اعتراف داخلي ، بأن معايير هذا الزمان لم تعدعلى قياس قناعاتك ، تقتلع آخر حصن تختبي وراءه أخر وسوسة تدعوك للحذر،  ربما وراء هذا الهدوء عواصف هوجاء ، قد تلقي  بك في بحور خدعيتهم المتلاطمة، تتململ، تحاول  مناغمة شعورك مع غلاف الزمان والمكان ، تكبت كل ردة فعل مغايرة ، تكمم كل الأفواه الضاجة  في أعماقك ، تستميلك بقايا ثقة مترسبة ، في قاع  الحقيقة ، تتفاعل داخلك صراعات جذب الدليل  الساطع ، تحاول الافلات ، تنظر من داخلك ما أصاب خارجك ، وتقرأ في أعماقك ، ما يرتسم  على ملامحك ، توقن بأن ما يظهرعلى السطح  يناقض ما اعتمل داخلك ، خطوط الملامح ليس  لها جذور في أعماقك ، تتمسك بأخرخيط يتوهج في غسق حقيقتك  ليوصلك  لوجودك ، تجده يتجسد في الاضمحلال ، يدفعك بقايا سنا الوهج الخافت ، لكي تنزع كل الأقنعة ، التي ألصقوها بك ، كلما تخلصت من واحد منها ، وجدت آخراً مكانه ، تعيد الكرة وبقوة عن سابقتها ،تستمر رغم تسرب فتور التكرار لعزيمتك ، تهدأ ، تحاول ادراك كنه اللحظة المرتسمة فوق كل الأقنعة التي كومتها خلفك ، تحاول فهم تفاصيل الخطوط المتجسدة عليها ، تتلمس أخر الأقنعة على وجهك ،

تحاول جاهدا نزعة ،  تنجح  أخيرا ،ترميه فوق كومة الأقنعة .

تتأمل وجهك، تتأكد بأنه لم يعد هناك أي قناع يحجبه ، تتفاجأ بأن تفاصيله الحالية لم تعد تختلف عن  تفاصيل  كل الأقنعة التي أزلتها .           

طبرق 1-6-2005

_______________________________________________________               

 

 

العودة         

جر جسده الجبل بتؤده متلمسا طريقه إلى غرفة الحمام بعينين شبه مغمضتين ، تلمس بيديه حوض الغسيل وصلت احدى يديه إلى صنبور المياه .. أدار مفتاح الصنبور تدفق الماء الساخن للحظات .. أقفل صنبور المياه .. ثم عاود فتحه ثانية ولكن بماء شبه مثلج ،ارتاح لانسكابه وبرودته الشديدة اغترف غرفات سريعه ورش بها وجهه .. تراءت له فكرة سريعة .. لماذا لا يضع راسه تحت دفق المياه الباردة ؟ .. ربما تساعده علىرفع غشاوة هذا الصباح عن عينيه ،ارتاح لانسكاب المياه على رأسه ومعها شعر بتسرب صحوة لذيذة إلى أوصال جسده المنهك ،.. بدات عيناه تدركان كنه اللحظة المحيطة به .. أجال بصره في أركان الغرفة فوقع نظرة على المرءاة الرابضة أعلى الصنبور ، كان يغشو سطحها اللامع ضباب كثيف .. مد يده باصابع مفتوحة ماسحا سطحها ليطل عليه وجهه من خلال سطح المرءاة اللامع المتداخل مع خطوط الضباب التى لم تطالها عملية المسح .

استولى على عقله في تلك اللحظات كم من العجب لمرآى وجهه وكانه يراه للمرة الأولى منذ مدة طويلة ،هاهي الشعيرات البيضاء تزحف على تضاريس وجهه ولم تترك للشعر الأسود الا نقاطا قليلة متناثرة على سطح وجهه الذي بدأت أجزاء كبيرة منه تتغضن ..

صرف تفكيره عن مرآى وجهه إلى محاولة تفسير الحالة التى وجد نفسه عليها هذا الصباح ، تذكر بسرعة أخر ما سمعه ليلة البارحة ورنت في أذنيه أصداء الاجتماع العائلي المستديم في الأونة الأخيرة والذي في كل مرة لا يخرج محور النقاش فيه عن أسباب بقائه هكذا دون سائر اقرانه .

كان في كل مرة يسرد لهم نفس الاسباب والتعليلات ، ليضرب بها عرض الحائط مع أول لقاء عائلي وليعود نفس السؤال يفرض نفسه وليعيد عليهم ما سمعوه سابقا في حلقة مفرغة تتكرر باستمرار .

بمرور الأيام يترك السؤال هما يزداد ثقلا ليئن تحت نيره عقله المنهك وجسده النحيل بفعل هموم الحياة المختلفة .. بدأت خطوط الضباب تنجلي عن سطح

المرءاة وبدأت صورا شتى تتداخل على سطحها كشاشة مرئية تعرض مشاهد متلاحقة من شريط حياته المختلف التفاصيل ،قادته تلك المشاهد إلى بدايات

حياته العملية ، وتذكر الحماس الهائل الذي كان يملأ نفسه عندما استلم أول مهام عمله وكيف أن الاخلاص كان هو ما يشغل كيانه في تلك الايام .

تعجب من ورود مشاهد لزملائه ومواقفهم منه الغير مبرره ، حتى عندما حاول أن يمد حبال الود تجاههم لم يرفضوا ولكنه اضطر إلى قطعها مجبرا بعدما تبين له أهدافهم التى لاتتوافق مع ما يسعى اليه .

حاولوا استدراجه إلى صفوفهم بكل ما يستطيعون بالوعيد وبالتهديد ولكنه ازداد صلابة في الابتعاد عنهم ، توقف تسلل المشاهد .. عاد السؤال يرن بقوة في داخله

شعر بأثر لما أصاب حياته عاد لتامل وجهه الذي اصبح كمرج مغطى بنتف الثلج ..قارن حياته بحياة اقرانه وزملائه في العمل ، شعر بالفارق في المعيشة بينه وبينهم

ساوره قلق غريب ،ومرارة غزت مشاعره للحظات .. تراءت له شخصيات المشاهد التى مرت به على سطح المرءاة وكأن جميع شخوصها تخرج له السنتها ،وتناهت إلى مسمعه قهقهات ساخرة من قناعاته التى ابقته على حاله تلك .

انتزع المرءاة من على الجدار ناويا رميها كيفما اتفق .. انقشعت جميع الصور الباهته ولتبرز بقوة صورة مشرقة كانت تختفي وراء تلك الصور ، صورة الزميلة الجديدة في العمل ، التى صدت كل محاولات التقرب اليها من الجميع وكيف انهم ازدادوا كرها له جراء معاملتها له بود خاص .. أعاد المرءاة إلى سابق عهدها ، تناول أدوات الحلاقة ، أزاح نتف الثلج عن وجهه .. شعر بنشاط غريب يملأ نفسه

انطلق إلى عمله متذكرا أول يوم استلم فيه مهام ذلك العمل

 

261008 

 

منذ سنوات وهذا الألم يرافقه ، لم يكن كأي ألم مر بأي من البشر قبله ، كان يشق صدره بوجع لذيذ ، يسكن سويداء قلبه ، لم يكن له من تأثير يتركه سوى تعب جميل ، ليس له وقت محدد لممارسة مهامه، وإن كان يتوافق بتناغم رقيق مع ساعات خلوته لنفسه ، وخلوده لتباريح أفكاره.
ألمٌ أزعج المحيطين به ، وأعْجز كل الأطباء الذين استسلم لهم بناء على رغبات المهتمين لأمره ، الوحيد الذي خرج من دائرة هذا الانزعاج والعجز كان هو ، لم يتفاعل مع مشاعر الخوف التي أصابت كل من يعرفه ، ولم يهتم لتعجب واستغراب الأطباء وتقاريرهم حول كينونة هذا الألم ، بل وصل إلى مرحلةٍ استلذ فيها طبيعة هذا الألم ، وصار مع تأخر عوارضه عرضة للقلق ، يحاول ايجاد لحظة للتواصل معه ، يستحضر في كل تأخير له جميع الطقوس الملائمة للتلاحم معه .
 

منذ سنوات وهذا الألم يرافقه ، لم يكن كأي ألم مر بأي من البشر قبله ، كان يشق صدره بوجع لذيذ ، يسكن سويداء قلبه ، لم يكن له من تأثير يتركه سوى تعب جميل ، ليس له وقت محدد لممارسة مهامه، وإن كان يتوافق بتناغم رقيق مع ساعات خلوته لنفسه ، وخلوده لتباريح أفكاره.
ألمٌ أزعج المحيطين به ، وأعْجز كل الأطباء الذين استسلم لهم بناء على رغبات المهتمين لأمره ، الوحيد الذي خرج من دائرة هذا الانزعاج والعجز كان هو ، لم يتفاعل مع مشاعر الخوف التي أصابت كل من يعرفه ، ولم يهتم لتعجب واستغراب الأطباء وتقاريرهم حول كينونة هذا الألم ، بل وصل إلى مرحلةٍ استلذ فيها طبيعة هذا الألم ، وصار مع تأخر عوارضه عرضة للقلق ، يحاول ايجاد لحظة للتواصل معه ، يستحضر في كل تأخير له جميع الطقوس الملائمة للتلاحم معه .
العجز أصاب حتى الآلات الحديثة التي جلبت من كل مكان ، والتي ذهب إليها لكي تسبر أغوار هذا الألم العجيب ، ومع تأكد الجميع بأن شيئا ما يقبع في صدره إلا أنهم فشلوا في تحديد صورة واضحة له ،لا تحاليل أبانت ، ولا صور أوضحت ، جندوا كل الأطباء المختصين ، جراحين قلب ، أطباء أعشاب ، معالجين روحانيين وأطباء نفس ، لعل الوهم سكن نقطة الحياة فيه ، ومع هذا يرتدون عن تصوراتهم ، مع ورود تقارير بأن عقله في أوج الثبات ، يستمر الألم ، ويستمر المحيطون به في رؤيتهم لألمه ، ويستمر هو في حبه والتصاقه به .
جدال ، جلسات ، ندوات ، مؤتمرات ، اتصالات مع كل الهيئات العلمية وغير العلمية ، حلول لم يتفق عليها ، خلافات تضاف إلى الخلافات ، ويستمر هو في استلذاذ هذا الألم ، أخيراً توصلوا إلى قرار ، وأتفق الجميع دون الرجوع إليه ، سوف نشق عن صدره .. في حيثيات قرارهم ، عبارة ، عملية الشق ليست مبنية على يقين علمي ، لكنه حدس الخبراء و المسؤولين وهم من لهم الدراية بمصلحة هذا المواطن الغريب ، الذي يسكن تجويف صدره هذا الألم الغريب .
هاجس الخوف سيطر على المحبين له ، الخوف من أن يطاله أذى منها ، كما أن الخبراء توجسوا خيفة من أن لا يصلوا إلى استنتاج علمي قد يؤدي بمكانتهم ، ومن جانبهم كان المسؤولين أكثر توترا عندما ران على أذهانهم أن الفشل في تحديد هذا الألم ؛ سوف يجعل المواطنين يتجاسرون على إخفاء ما في صدورهم عنهم .
جاء اليوم الموعود ، همس لنفسه لكي يطلب منهم أن يتركوه هو وألمه ، لأن الألم الحقيقي عنده هو غياب هذا الألم ، نظراتهم له جعلته يأد هذه المشاعر قبل أن ترتسم على وجهه ، جيء بكل الإمكانيات ، حشود من المهتمين والفضوليين ، من له علاقة ومن ليست له ، العلماء وأنصاف المتعلمين ، طابور من وسائل الإعلام العام والخاص ، من يفهم في الطب الحديث والطب القديم ، الكل يحاول تسجيل كل شاردة وواردة عن هذا الداء الغريب الساكن قلب هذا الانسان الغريب ، جهز الجميع تقاريرهم ، بحث البعض في سلالته لكي يستنتج أي مورث أوصله لهذا الألم ، والبعض حضر بتكليف من جهات لا تفصح عادة عن عنوانها ومع هذا يعرفها الجميع بكل سهولة ،وهم أيضا يبحثون في سجلاته عن أي أمر يثير حفيظتهم .
ألبسوه ملابس غريبة ، قالوا له أنها معقمة ، حتى لا يتسلل إلى قلبك أي ملوث ، ضحك في قلبه ، وتحدث في نفسه : إن قلبي أنظف من كل ما تستعملون من أدوات ومواد ، ومن أيديكم ووجوهكم التي تصطنع النظافة والبراءة ،أدخلوه حجرة لامعة الأضواء والأدوات ، علقوا على كل شبر في جسده سلك معدني ، وأوصلوا كل سلك بجهاز، تدارسوا الأمر سمعهم يهمهمون : كل شيء فيه عادي ، كل شيء فيه لم يتأثر ، وضعوا كمامة المخدر على أنفه وفمه ، أخبروه بأن يبدأ في العد .. واحد .. اثنان .. ثلاثة ..مائة .. ألف .. لم يتأثر ولم يتخدر ، أشار كبيرهم لصغيرهم أن استدعي كبير خبراء التخدير ، حضر على جناح السرعة ، وصف نوعا جديدا ، بدأ في العد من جديد ، وصل هذه المرة إلى المليون ، شعر بسكون من حوله ، توقف عن العد ، نظر حوله كان الجميع نياما .
في اليوم الثاني ، تجمع كل خبراء التخدير ، راسلوا كل المؤسسات والخبراء المختصين ، استجلبوا هذه المرة أخر ما توصل العلم إليه في فن التخدير ، نظر إليه بعضهم في تشفي ستنام أيها المزعج نومةً لا تستطيع معها إدراكا ، قبل أن يقربوا اكتشافهم الجديد ، قال لهم : شقوا عن صدري بدونه ، فغرت أفواههم تعجبا ، أضاف مادام ألمي عجبا ، فليكن البحث في جسدي عجبا ، قربوا له ورقة رسم كلمة فوق كلامهم ، وبدا كبيرهم في شق صدره .
توقف مشدوها للحظات ، ثم نادى على الجميع ، تجمعوا حوله .. صاح فيهم ، أن أنظروا : ماذا وجدت ، هذا الذي دوخنا ، وأرقنا ، ثم أدار يده

في القلب المذبوح ، أنظروا ، قالها وهو يخرجه ممزوجا بدم أحمر قاني ، أيها المتعب ، على وجوه الحاضرين تعلوابتسامة بلهاء ، وشعر بالتذمر داخلهم بعد هذا الاكتشاف ،  بدأت حواسه تغيب في عالم اللاعوي ، حاول مد يد ه للقبض على ما أخرجوه من صدره ، خارت قواه عادت يده لتغطي فجوة صدره وصوت كبيرهم يتماهى مع غيابه عنهم ..أنه مجرد قلم .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصص قصيرة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

11 تعليق على “من قصصي القصيرة”

  1. لك تحياتي وصفحة أتمنى أن تكبر وتتطور لتكون موقعا .

  2. جميل جدا ما ابدعه قلمك يا اخي . واتمنى لك مستقبلا زاخرا بالابداعات . وادعوك لزيارة بلوجي ( للحب شعار أخر ) وابداء رايك . والى الامام

  3. شكرا لك أخي الكريم وسأزور بلوجك قريبا ..

  4. أعجبني ما تكتب أيها الصديق ،أنت مبدع حقيقي نعتز بك دائما .

  5. كل عام وانت بخير , والامة العربيه والاسلانيه بالف خير , بمناسبة عيد الاضحى المبارك اعاده الله علينا وعلى الامة العربية والاسلاميه باليمن والبركات .

  6. كل عام وانت بخير

  7. كل سنة وانت طيب عبدالعزيز واجعل من هذا الاصدار الاول دافعاً الى ان تقدم أكثر

  8. هذه دعوة مفتوحة لجميع المثقفين الليبيين والتوانسة على حدٍ سواء للمناقشة واثراء الحوار في ملف الحديقة : ( تونس وليبيا في سلة واحدة .. لماذا ؟!! ) !! .. للمشاركة زوروا مدونة الحديقة .. وقبل ان تشاركوا اقرأوا المقالات والاراء التي كتبها كل من : عبدالوهاب قرينقو - عادل المعيزي - محمد المي - والمنصف الوهايبي ..

    اقرأوا وساهموا في قضية الملف المطروحة إما بالتعليقات المباشرة في المدونة أو بارسال ردودكم على شكل مقالات أو أراء على أحد العناوين التالية ليتم نشرها بشكل أفضل في المدونة ولاحقاً في مواقع و مطبوعات أخرى حسب رغبة المشارك :

    a_gringo@hotmail.com

    أو

    algringo2002@yahoo.com

    او

    wahab_gringo@maktoob.com

    لأي استفسار الاتصال تلفونياً على الرقم : 0928738114

    مع تحياتي وكل سنة وانتم بخير

    عبدالوهاب قرينقو

  9. شاركوا مدونيي ليبيا حملة التبرع من اجل أن لانفقد رؤى أخرى

  10. صدر قرار عن المجلس بمنح العضوية الفخرية لكل أديب وكاتب وإذاعي وصحفي انضم للأتحاد

    ونحن نبارك لكم العضوية لايسعنا إلا القول بأننا نعول على خبر تكم الكبيرة للدفع بهذا الوليد نحو الأمام

    المجلس

  11. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    الا رسول الله……….

    اخوتى اخواتى ….

    تحية الاسلام والمسلمين هذه دعوة اخيكم فى الله صابر الريانى لتتضامنو معى فى الرد على احد الكفرة الملحدين الذى نال من الرسول الكريم والدين الحنيف من خلال احد تعليقاته بمدونتى ويدعى هذا العربيد المعربد بان اسمه طارق على وله مدونة باسم ايقونة الشرق.. والذى استهتر بقيمنا وديننا وعقيدتنا الا لعنة الله على الضالمين



اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق



 

تهاويم ..براح مودة من الصحفي والقاص عبدالعزيز الرواف